محمد جمال الدين القاسمي

9

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هذا المعنى وهو قولهم ( القتل أنفى للقتل ) بعشرين وجها أو أكثر . وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال : لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق . . ! وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك . . ! الأول : أنّ ما يناظره من كلامهم وهو الْقِصاصِ حَياةٌ أقلّ حروفا ، فإنّ حروفه عشرة وحروف ( القتل أنفى للقتل ) أربعة عشر . . ! الثاني : أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة ، والحياة ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه ! الثالث : أنّ تنكير حَياةٌ يفيد تعظيما ، فيدلّ على أن في القصاص حياة متطاولة ، كقوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] . ولا كذلك المثل ، فإنّ اللام فيه للجنس ، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء ! الرابع : أنّ الآية فيه مطّردة ، بخلاف المثل ، فإنه ليس كلّ قتل أنفى للقتل ، بل قد يكون أدعى له ، وهو القتل ظلما . ! وإنما ينفيه قتل خاصّ ، وهو القصاص ، ففيه حياة أبدا . . ! الخامس : أنّ الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل . والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة . . ! السادس : أنّ الآية مستغنية عن تقدير محذوف . بخلاف قولهم . فإنّ فيه حذف ( من ) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها ، وحذف ( قصاصا ) مع القتل الأول ، ( وظلما ) مع القتل الثاني ، والتقدير : القتل قصاصا أنفى ظلما من تركه . السابع : أنّ في الآية طباقا ، لأنّ القصاص يشعر بضدّ الحياة بخلاف المثل . . ! الثامن : أن الآية اشتملت على فنّ بديع ، وهو جعل أحد الضدّين - الذي هو الفناء والموت - محلّا ومكانا لضدّه - الذي هو الحياة . واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة . . ! ذكره في ( الكشاف ) ، وعبّر عنه صاحب ( الإيضاح ) بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال « في » عليه . التاسع : أنّ في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة - وهو السكون بعد الحركة - وذلك مستكره . فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكّن اللسان من النطق به وظهرت بذلك فصاحته ! بخلاف ما إذا تعقّب كلّ حركة سكون ، فالحركات تنقطع بالسكنات . نظيره : إذا تحركت الدابة أدنى حركة ، فحبست ، ثم تحرّكت فحبست ،